الجبلتاريخ وأطلال

إلى سيّدِنا الشّيخِ الطّاهرِ الجليلِ أبي حسن عارف حلاوي رحمَهُ اللهُ

 

مضَتِ السِّنونُ على عرسِ الضّياءِ، وملحمةِ الرّحيل، فكأنّك يا سيّدي من نُطفةِ الشّّمسِ انبثقْتَ فصارَ وجهُكَ كوكبًا تهمي السّحُبُ لأجلِهِ ريًّا لغروسِنا، وأيُّ زرعٍ ذاك يا بذرَ امشاجِ القلوبِ، ونفحةَ طيبِ الطّهارةِ والتّقى؟
فوقَ جباهِ العارفينَ علامةٌ ، بهرَ الزّمانَ برقُ سناها، فانحنى حتّى الخشوعِ، وكنْتَ يا سيّدي الطّاهرَ ومضةَ البرقِ الّتي صارَتْ منارةً.
أنقى دماءِ الورى في وجنتيكَ قد سرى، عقدٌ على صدرِ السّنين بعفّةٍ قلَّ
نظيرُها يلمعُ، وحياتُكَ معراجٌ رقراقُ المحبّةِ والحنوِّ في زحمةِ العبثِ الّذي غطّى الوجوهَ بالوجومِ والقلقِ.
مضَتِ السِّنونُ، وذابَ الثّلجُ مرّاتٍ، ثمّ كسا نبضَ القلوبِ النقيّةِ بلونِ عمامتِك المرصّعةِ لؤلؤًا سماويًّا، فكأنّ طهرَ الثّلجِ غادرَ ركنَهُ، فالسُّكنى في راحتيك أعفُّ وأجملُ.
ما للذّكرى كتبْتُ، لأنّك يا سيّدي فوقَ هاماتِ الذّكرياتِ تربّعْتَ، فالذّكرى مناسبةٌ لمن لا ذكرَ لهُ، وأمّا أنت، أيُّها الطّاهرُ الجليلُ، فنسائمُ جبلِك الأشمِّ تنقلُ عبيرَكَ في كلِّ لحظةٍ، فتدغدغُ القلوبَ حنينًا واشتياقًا، وتلامسُ لطائفَ الأفكارِ أنوارًا سنيّةً، وما زالت. رغمَ ابتعادِ الزّمنِ خمسَ عشرةَ سنةً،فأنت لا تضنُّ علينا بالعبيرِ متناثرًا على ربى العارفينَ العاشقينَ لريحِ يوسفَ، والدامعينَ لبكاءِ يعقوبَ عليهما السّلامُ.
ذلك الألقُ الّذي ألبسْتَهُ من عفّتِك وعرفانِك، يذيبُ الشّمعَ النّبيلَ شوقًا لرؤيةِ النّورِ الحقيقِ. فيا ذاكرتَنا المضيئةَ، هُزَّ لنا بدعائِك سريرَ العنايةِ، علّ مولانا، وحبيب قلوبِنا الّذي لا تأخذُهُ سِنَةٌ ولا نومٌ، يرضى علينا، فتنفتحَ لنا الأقفالُ بغيرِ مفاتيحَ… نحنُ يتامى لحظةَ الوداعِ، وعشّاقٌ لحظةَ الّلقاءِ.
من سيرتِك العطرةِ الزّكيّةِ نستمدُّ قوّةً وعزمًا على قهرِ الشّرورِ في نفوسِنا… ذلك هو الجهادُ الأكبرُ الّذي منكَ تعلّمْنا أسرارَهُ… فادعُ لنا رحمَك اللهُ… وقد نفدَ بيانِي.

زهير عطالله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى