الرئيسيةثقافةمقالات منوعة

وأد الفتن بمعالجة أسبابها

بقلم الشيخ الاستاذ كامل العريضي

لا تخلو المجتمعات من اشكالات ومشاكل وفتن فردية وجماعية وهذه حقيقة ثابتة عبر العصور. أما طريقة معالجتها وعدم تكرارها ودراسة أسبابها، فهي تعتمد على الوعي المجتمعي العام ونسبة النضج وبلوغ سن الرشد الشعبي، بالإضافة إلى الحكمة والعدالة والمصداقية لدى المسؤولين وأصحاب الحل والربط.

وهذه القلاقل إذا لم يتم معالجتها فستكون مسمارا في نعش هذه الحضارة أو غيرها والتاريخ شاهد بالشواهد الأليمة على ذلك، حيث انهارت العديد من الدول بسبب التراخي والتهاون بمثل تلك الحوادث لأن سقف البيت الواحد عندما ينهار لا ينجو أحد من قاطنيه من الهلاك إلا مَنْ رحم ربي.
وللأسف كثرت تلك القلاقل في بيتنا الواحد اللبناني منذ عدة سنوات، وهي آخذة بالتنقل من غرفة إلى أخرى، وبدأت بعض أعمدة بيتنا الواحد تتصدع بعض الشيء وإذا لم نبادر جميعا الى إصلاح وترميم هذه التصدعات بصدق وإخلاص فالواقع ينذر بالأسوأ لا سمح الله.
ليس الخوف من المشكلة بحد ذاتها، فعندما تقع الواقعة يتدارك العقلاء والمخلصون الحادثة ويعملون على إخماد نيرانها ووأد الفتنة في مهدها، ولكن الطامة الكبرى بالتصريحات والتعليقات وكمية الكلام المسيء والنعرات الطائفية والحزبية البغيضة  والطعن وتخوين الآخر وهو ما يتمظهر من النفوس إلى وسائل التواصل الإجتماعي حيث اللسان والقلم يعبران عن مكنون الأنفس والعقول والخواطر. وهذا الكم الهائل من الضغينة والبغض والكره عند البعض لا يبشر بالخير.
إن معالجة الأسباب أهم من حل مشكلة هنا وأخرى هناك، لأننا اذا لم نعالج أسبابها فسوف تتكرر كل يوم وتزداد وتيرة البغضاء بين الأخوة. فإذا كان مسؤولو الدولة وقيادات الأحزاب والجمعيات الأهلية يدعون إلى العيش الواحد وحرية الرأي والتعبير والى لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه وإلى حتمية العيش معا وضرورة قبول الآخر تحت سقف القانون والدولة والدستور، فلماذا ستتكرر هذه الحوادث الأليمة وما يرافقها من خطاب متدنٍ لا يحترم المواطنة؟ أم هل هذه الدعوات أمام الشاشات تتشابه مع تصريحات الكثير من المسؤولين في محاربة الفساد والطائفية والمحاصصة، حيث يكون الكلام أمام الإعلام شيئا والأفعال شيئا آخر، وكأني بهم كلما تكلموا عن محاربة الفساد والمفسدين فإذا به ينمو ويسود وأدل دليل، ما يحصل اليوم من انهيار اقتصادي شامل في كل القطاعات وقد أصبح أكثر من نصف الشعب اللبناني تحت خط الفقر.
هل يعقل أن يكون ثمة خطابان؟ واحد على العلن يدعو إلى المواطنة والعيش الواحد وآخر في الغرف المغلقة يعتمد التعبئة الحزبية والطائفية المقيتة؟
هل بعض رجال الدين يدعون إلى احترام معتقدات الآخر في الجهر ويطعنون بالآخر ومعتقداته في السر؟
ما هو المبرر لأي خلاف سياسي بأن يتحول إلى بعد مذهبي عقائدي؟
هل نؤمن جميعا بصدق، بأن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه؟

أرجو من كل الأحزاب والقوى السياسية والمرجعيات الدينية أن تبدأ بعملية توعية حقيقية لمحازبيها ومناصريها ومحبيها من خلال ورش عمل صادقة وندوات ومحاضرات هادفة إلى أصول العمل الحزبي واحترام الآخر المختلف سياسيا ودينيا. ولا أرى أي مانع من أن تقوم الأحزاب بأعمال اجتماعية مشتركة في المدن والقرى المتنوعة على  الرغم من الخلاف السياسي بينهم كي لا يتحول من خلاف سياسي على المنابر إلى اختلاف في الشوارع وبين البيوت. وكلنا أمل بأن نشاهد تفعيلا للمجالس التأديبة الحزبية بفصل أو معاقبة أي مسؤول أو عنصر حزبي يكتب أو ينشر أو يصرح بكلمة من شأنها أن تطعن بالسلم الأهلي ودين الآخر ونبش القبور لأنه ليس هناك من عناصر غير منضبطة بقدر ما هناك من “قبة باط” مع حسن الظن، وتعبئة مع إساءته. وكذلك على المرجعيات الدينية فعله مع كل شخص ملتزم دينيا عند مخالفته لتوجهاتهم الواضحة والصريحة بهذا الخصوص.
أما وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، فعليها تقوى الله فيما تنشره، وأي مقال أو فيديو تنشره من شأنه أن يثير بلبلة طائفية أو فتنة داخلية، فعلى القضاء المختص التدخل حسب القوانين المرعية الإجراء، وإنزال العقوبة القضائية المناسبة لهذا الجرم، اذا لم ترتدع وتقلع عن مثل تلك المخالفات. كما وعليها استضافة أصحاب الخبرة والاختصاص والعلم والكلام الطيب لا المفتنين الذين لا يعرفون شرف الكلمة وقدسيتها.
وبما أننا للأسف لم نتفق على كتاب تاريخ موحد لغاية الآن، يمكننا الاتفاق على تعميم وضرورة تدريس كتاب التربية الوطنية والتنشئة المدنية كما أقرته وزارة التربية والتعليم العالي ومعاقبة أي مدرسة خاصة أو رسمية لا تعتمده من الصف الأساسيّ الأول حتى الثانوي الثالث. فلهذا الكتاب دور أساسي في زرع المواطنة الصحيحة وقبول الآخر واحترم القوانين والمؤسسات الدستورية وحل النزاعات بالطرق السلمية، في عقول ونفوس الجيل الصاعد. لأننا لا نريد لهذا الجيل ما نراه ونشاهده اليوم، وهذا لا يتحقق إلا بتضافر جهود الجميع على اختلاف مواقعهم ومسؤولياتهم ودورهم.
ولا يسعنا إلا توجيه تحية إكبار وتقدير إلى المرجعيات الدينيّة والمسؤولين السياسيين الذين يقومون بواجبهم الديني والوطني والأخلاقي في التعالي عن الجراح وبث روح المواطنة والأخلاق الحميدة ويؤمنون قولا وفعلا بأن لبنان التعدد والتنوع والرسالة هو منارة هذا الشرق ويسعون بكل طاقاتهم وامكاناتهم لتحقيق ذلك ومنع الفتنة عبر معالجة أسبابها، فبمثل هؤلاء وعقلهم الراجح، وبالمواطنين المخلصين الذين تجاوزوا جدران الطائفية والمناطقية والحزبية إلى رحاب الإنسانية سوف يبقى لبنان مهد الحضارات، ويخرج إن شاء الله من أزمته معافًى سليما قويا قادرا وسيدا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى