اخبار سريعةالرئيسيةثقافةعطينا من علمكمنوّعات

وتبقى العروق تفيض بدم الحياة

بقلم ليندا أبو مجاهد _ معلمة اللغة العربيّة في مدرسة الإشراق_المتن

كانت الشّمس قد لملمت أطفالها الذّهبية عن البيوت والحقول، وملأت جعبتها بالنور الأرجوانيّ وراحت تنثره فوق البحر أشلاء حين وقفت لارا على شرفة منزلها المطلّة على شجرة لوز خضراء، وراحت تناجي الغروب بصوت متهدّج وحزين، فتقول: أيتها الشّمس الحنون، أنا اليوم هنا، أقف أمامك ولا أرى سوى ليل آتٍ من بعيد، يحمل بين دقائقه وساعاته الألم والوجع، لكنّني ما زلت متمسكة بالحياة ما دامت شجرة اللوز هذه تحتضن أوراقها، وأعرف أنني لن أموت حتى تسقط آخر ورقة منها، لتعود إلى أمّها الأرض المتلهّفة لأبنائها، حيث سأعود.

وبينما كانت لارا تناجي الشّمس كانت أختها ريما تقف خلفها باكية حزينة، فهي ترى أختها الوحيدة وتوأم روحها تتلاشى منها الروح شيئا فشيئا بعد أن أصابتها رصاصة طائشةٌ أطلقها أحد المبتهجين بنجاحه، فدخلت أحشاءها ومزقت أمعاءها.

وبعد أن سمعت ريما تلك الكلمات الأليمة تمنّت لو أنّ الخريف لا يعود، لئلّا تتساقط أوراق اللوز، ويتساقط معها أمل لارا في الحياة. لكن الطبيعة لها نظام لا تحيد عنه طرفة عين، فإذ بالصّيف ينقضي والخريف يرجع حاملا البروق والرعود، عاصفا في حديقة المنزل مقتلعا أوراق الأشجار والورود، وإذ بشجرة اللوز تتعرّى يوما بعد يوم ولارا تعدّ الأوراق المتبقيّة على الشجرة وكأنها تحتسب ما تبقّى من عمرها.

وكانت ريما تحاول ثنيها عن هذه الفكرة التي لا علاقة لها بالحياة والموت، فلا تنثني، بل تزداد تشبّثًا بإيمانها، حتى صارت صحّتها تتدهور  مع سقوط كلّ ورقة.

وفي ليلة مهولة ظلماء، هبّت عاصفة عاتية راحت تتخبّط يميناً وشمالا وتقذف كلّ ما تجد أمامها من الأغصان المتدلّية والأوراق الكئيبة، من دون رحمة أو شفقة. فكيف لها أن تدري بما يشغل فكر لارا ويؤرّقها، وهي صماء لا تسمع إلّا عويلها؟

وعند الفجر، استيقظت ريما باكرا وسرعان ما ألقت نظرة على شجرة اللوز لتطمئنّ على أوراقها، فلم تجد منها سوى ورقة وحيدة تتراقص فوق الغصن مزهوّة بانتصارها على السقوط بعد عراك طويل.

وعندما استيقظت لارا، نظرت كعادتها الصباحيّة من الشرفة إلى شجرتها، فرأت الورقة المنتصرة على أهوال الرياح وزمجرة الرعود، واحتراق  البروق، فشعرت براحة وأمل ما عرفتهما منذ الحادثة الى ذاك اليوم.

وراحت أيّام الخريف تتسارع هاربة، وتلحق بها أيام الشّتاء قاذفةً كل ما تبقّى في جرارها من أسلحة التهديد في وجه الفتاة الخائفة على أنفاس تكاد لا تكفيها حتى انتهاء غضب الطبيعة؛ إلى أن عاد الربيع، وتفتّحت البراعم على الأغصان وجهرت الوريقات بانبعاثها الغضّ؛ وكانت لارا في تلك الأثناء تنظر كلّ يوم الى الورقة الوحيدة تشكرها إذ علّمتها الصمود، وغرست في نفسها الأمل، بينما كانت ريما تفرح بأختها التي عادت البسمة ترتسم على شفتيها، والصحة تنطق على وجهها.

وفي أحد أيام الربيع قررت لارا زيارة الشجرة وقد هالها أمر الورقة التي ما زالت تقف على عرشها على الرّغم ممّا حمله الخريف وبعده الشتاء من الريح والثلج والمطر، فرافقتها أختها الى صديقتيهما الشجرة، فاقتربت لارا من الورقة متفحّصةً، لتجد أنها ملصقة بالغصن بفعل يد إنسان حنون، رفض انهزام الموت منتصرًا للحياة،  فنظرت في عيني أختها شاكرة باكية، وقد أيقنت من دون كلام أنها مَن ألصق الورقة على الغصن في تلك العاصفة الهوجاء، وشتّان بين دموع اليأس والألم ودموع الفرح والأمل!

ثم دنت لارا من أختها، وهي تقول: الحمد لله على كلّ حال، ها أنا أعود إليك وإلى نفسي، وأستعيد صحتي وعافيتي بعد أن اعتقدت أنّ لا شفاء لي. وأعدك يا أختي الغالية أنني منذ اليوم لن أستسلم لليأس بل سأتمسّك بالحياة التي وهبني إياها الله لأكون فيها معك وقربك إلى آخر يوم من عمري!

حينئذ، هبّ النسيم العليل حاملا عبق الأرض وخمر الدوالي المخزون في وريقات العرائش ليؤكد للفتاة أن في العروق يفيض دم الحياة ، ما دام في الروح بقايا أمل وأحلام وطموح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى