الرئيسيةثقافةحكمة اليوم

بِرُّ الأم عبادة

بقلم الشيخ الاستاذ كامل العريضي مدير ثانوية الاشراق – المتن

رائعة كانت الأيام القليلة الماضية، فوسائل التواصل الاجتماعي كانت بحق وسائل محبة وسلام ورقي، فقد امتلأت بأرق وأعذب الكلمات بحق مَنْ تعجز كل المعاجم والمفردات أن تفيها حقها، كما ازدانت بالنثر والشعر والقصص المؤثرة علّها تقدّر بعضا من تضحياتها. وبالرغم من كورونا والتباعد الاجتماعي إلا أن الهواتف قامت بواجب التواصل لمن لم يستطع الحضور المباشر، كي يتبارك برضاها وطلب دعائها إنْ لم يقدر على تقبيل يديها المباركتين. كما تناثرت الرحمات والذكرى الطيبة لمن توفاهن الله برحمته. نعم، إن الأيام الفائتة ازدهرت وأشرقت بعيد الأم والطبيعة وتفتح الزهور وزقزقة العصافير، وإنّما اخضرار الأشجار هو الشاهد والدليل.

ولعل الأكثر جمالا هو المحافظة على تلك الحالة الايجابية، ومحاولة تطبيقها أغلب الأيام، لأن لها انعكاساتها النفسية المفيدة وهالتها القدسية. فبر الوالدين من أعظم العبادات عند الله سبحانه وتعالى حيث قال: ”

وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً” وقال أيضا عز وجل:” وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ”.

وهنا يشير العلماء إلى تلازم العلاقة بين عبادة الله سبحانه وعدم الشرك به والاحسان إلى الوالدين، فليس هناك أيّ فاصل بينهما ولهذا دلالة كبيرة على مرتبة برّ الوالدين عند الله تعالى. وتكررت تلك العلاقة المتينة وغير المنفصلة في الآية الثانية أيضا في قوله: أن أشكر لي ولوالديك. فأي عظمة؟ وأي رفعة؟ وأي تقدير؟ وأي تكريم؟ في إضافة شكر الوالدين بعد شكر الله تعالى من دون حاجب أو فاصل!!

وفي حديث متفق عليه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلًا جاءه فقال: يا رسول الله! من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك». قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك». قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك».

والإحسان ليس فقط في عدم الإساءة إليهما لأن الإساءة وعدم الاهتمام بالوالدين هو عقوق وهو مخالفة ومعصية كبيرة لفاعلها ويعاقب عليها الله في عاجل الدنيا وآجل الآخرة. وهذا ما وضّخته الآية المباركة: فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً” إذا لا يكفي أن لا تعترض عليهما أو لا تصرخ في وجههما، بل عليك أن تقول لهما قولا كريما وتعمل أيضا عملا كريما تجاههما وهذا وهو الاحسان اليهما.

ومن مظاهر تكريم الأم والإحسان إليها، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: مفاجأتها بهدية من دون مناسبة، أو دعوتها إلى الطعام، أو زيارة مكان ترغب به، ومساعدتها في العمل المنزلي، نعم أخي، معاونتها بالترتيب البيتي، اظنك قد استغربت هذا الطرح! فحذارِ أن تظن أن تلك المساعدة تطعن في رجولتك! لا بل تزيدها شهامة وعزة وكرامة، وترتيب رحلة معها على غير موعد، والثناء الدائم وتقدير عملها، وعدم الاعتراض عليها أو لا سمح الله الصراخ في وجهها بسبب إعداد طعام لا ترغبه، أو لأنها نسيت أن تضيف له بعض النكهات بسبب كثرة أعمالها اليومية، أو لأنها تأخرت قليلا عن الموعد المعتاد لنضوجه، فهذا لا يبيح لك التذمر والتأفف؛ فبكل تأكيد هناك عذر مقبول لديها. كما التبسم في وجهها دائما بمثابة عبادة، لأنها ليست المكان الصحيح لتفرغ فيه جام غضبك أو تعثرك أو ضغط عملك، هنا عليك أن تتهيب وتتأدب وتطلب الدعاء والرضى. هنا تأتي بأحمالك فتزول بلمسة طاهرة، وبدعوة صادقة. هنا المحبة الباسقة وظلال الحنان الوارفة. وما ينطبق على الأم الفاضلة من مساعدة وبر وإحسان وعطف ينطبق أيضا على معاملة الزوجة الصالحة.

إن بر الأم الفاضلة من أعظم الأعمال الإنسانية، وعليه حثت كل الأديان السماوية والقوانين الصحيحة الوضعية، وهو باب من أبواب رضى الله عز وجل وطريق من طرق الجنة العليّة.

كل يوم وأمهاتنا بخير إن شاء الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى