أخبارأخبار محليةاخبار سريعةالرئيسية

لبنان يتسولُ ويجوعُ ويأكلُ

يتحدث الأغنياء والفقراء عن عدو مشترك في لبنان هو الفقر. الغني لم يعد قادراً على التمتع بمدخراته. بات عاجزاً عن لذّتَين روحيتين كان يمارسهما: التسوّق والشراء. بات مصروفه يقتصر على التبضّع. التسوق غريزة التخمة. التبضع غريزة البقاء. أما الفقير فيبدو حديثه عن الفقر أقل انفعالاً من حديث الغني. الفقير خاوى الفقر ورافقه وبات متعوّداً على الأوجاع التي يحدثها في الجسد والروح كل يوم.

 

الحكّامُ في لبنان أفقروا الغني وزادوا الفقيرَ فقراً. طبقةٌ جديدةٌ من الأغنياء برزت بحكمِ تحكّمِ الطغمةِ هي طبقة الحكّام وبطّانيتهم. هؤلاء هرّبوا القسمَ الأكبرَ من أموالهم. ما تبقّى من أموالٍ خبّأوه في خزنات خاصة. يستلّون دولارات طازجة من بيوتهم. يصرفونها في السوق السوداء.

البارحة قررتُ مشاهدَة الفقر. قلتُ في نفسي: هيا بكَ للتعرف على هذا الوحش منذ الصباح الباكر. أمام نربيجِ البنزين في محطة الوقود سيارتان. يترجّلُ سبعينيٌّ من الأولى. إلى جانبِ مقعدِ السائق جرةُ غاز. يعدُّ الكهلُ أوراقاً نقدية من فئة الألف ليرة. يعدّها الباكستانيُّ معه. قطعةٌ معدنية من فئة الخمسمئة ليرة تنقصُ. إتمامُ المبادلةِ مستحيل. سبعينيٌّ يفتّشُ عن قطعةٍ معدنيةٍ في جيوبه. مفاوضات باكستانية لبنانية على الواقف قبل أن تعود الجرةُ الفارغةُ الى السيارة ويعودَ السائقُ الى بيته بخفّي حنين. تركنُ السيارةُ الثانية إلى يساري. يترجّلُ منها رجلٌ ستيني. فيه شيء من روبرت دي نيرو. ينتعلُ جوزَ أحذية في رجليه أوسخَ من فَردَتَي الحذاء في لوحة رامبرانت. بوطٌ بشريطة. يعني أن الحذاء كان إبنَ عائلةٍ مرموقةٍ في واجهات إحدى المحلات. بقايا الدوائر المعدنية المخصصة لدخول الشريط من الخرمة ما زالت موجودة. الشريط مفقود. الجوارب أيضاً. سروال الكهل مقطّب من جهة القفا. قماشه يكاد يكون شفافاً على كثرة احتكاكه بالماء والشمس والعكّ والغسيل. يُطلَبُ الرَّجلُ تزويدَ سيارته بثلاثةِ آلافِ ليرةٍ من البنزين. أقسمُ أن ثمنَ سيارته لا يتعدى الخمسين دولاراً سعر سوق سوداء.

 

تفقّدتُ وأنا في طريقي الى أحدِ المفارقِ المؤدية الى الأوتستراد رصيف أنطوني كوين. كنت قد أطلقتُ إسمَ الممثل المكسيكي الأميركي على الرصيف لأني تعودت أن أرى كل يوم هناك متشرّداً ينامُ على مقعدٍ أسمنتيٍ وضعته البلديةُ لتوفيرِ لحظاتِ استراحةٍ للمشاة. أغلبُ خططِ الحملاتِ الإنتخابيةِ البلديةِ تبدأُ بوعودِ التوأمةِ مع مدنٍ فرنسيةٍ وأميركيةٍ وتنتهي بعد الإنتخابات بمقاعدَ إسمنتيةٍ يتبرّعُ بها المقاولونَ وشركاتُ الباطون الجاهز. تراودني كل يوم هذه الفكرة. لو أخذتُ هذا المتشرد الى حمامٍ تركيٍ ودعكته بما تيسّرَ من صابونٍ وعطورٍ ولِيَفٍ لصرتُ أمام أنطوني كوين حقيقي. ألبِسوا هذا الرجل قليلاً من هرمس وبيار كاردان وحمّلوه سيجاراً كوبياً فاخراً وأنا أضمن لكم فوزه في أي إنتخابات.

 

إحصاءات موثوقة تفيد أن حوالي خمس وثلاثين بالمئة من الشعب اللبناني يعيشُ تحتَ خط الفقر. الخطُّ المقصود هو العيشُ بأقل من أربعة دولارات يومياً على سعر الصرف الرسمي أي 1500 ليرة. خمسون بالمئة من عمال لبنان مياومون. لا يأكلون في الأيام التي لا يعملون فيها. وأنا في طريق العودة الى البيت وعلى يمين المستديرة التي توصلني الى البيت أربعُ حاوياتِ زبالةٍ ممتلئة. رجلٌ وامرأةٌ يفرزان بقايا الطعام عن القاذورات الأخرى. ورق حمام وفوَطٌ صحية وقشرُ برتقال أزرق من شدة العفن. ذبابٌ وقططٌ وفئرانٌ… وناس. خلال عملية الفرز يلتقطُ الرَّجلُ ربعَ سندويش. يقضمُ لقمةً ويعطي الباقي الى شريكته. كيسٌ أزرق يجمعان فيه البقايا ربما لإطعام باقي أفراد العائلة.

 

يصعب علي أن أصدّق لولا المشاهد الدامغة أن لبنان يتسولُ ويجوعُ ويأكلُ من حاويات الزبالة. أنا جاهزٌ للبكاء في أي ساعة وأي دقيقة وأي ثانية غب الطلب. البكاءُ بغزارة حتى يغالبني النوم. وحده النوم اذا حلّ ينسيني أن ما يضربنا من فعل البشر. بشرٌ تجردوا من بشريتهم وارتدوا حلةَ الوحوش. الفقرُ وحشٌ صغير. بعض البشر وحوش كبيرة.

 

LD

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *