أخبارأخبار محليةاخبار سريعةالرئيسية

معركةُ باسيل الحكوميّة… “وحدةُ المعايير”

“كلّما كبرت الكذبة كلّما سهل تصديقها”، بهذا القول المنسوب لجوزيف غوبلز وزير الدعاية السياسيّة النازي يمكن اختصار ما يحصل اليوم على مستوى تأليف الحكومة. إنها حلقة مفرغة يدور فيها طباخو “طبخة البحص” الحلقة نفسها التي داروا داخلها قبيل تأليف حكومتي الرئيس المكلف سعد الحريري الأولى والثانية من العهد الحالي، ولكن الفرق الوحيد يتمثل بالدعاية السياسيّة التي ترافق مشروع التأليف اليوم.

 

فمن جهة، برزت في الأيام المنصرمة حرب وهميّة لا صلة لها بالحقيقة وقوامها أننا أمام تحالف رباعي متجدد بين “حزب الله”، “حركة أمل”، “تيار المستقبل” و”الحزب التقدمي الإشتراكي”، وبطبيعة الحال المدافع الأول والشرس عن حقوق المسيحيين وبطل العبور في هذه الحرب هو الوزير باسيل. ومن جهّة أخرى، نشهد حملة إعلاميّة تهويلية تعمل على تغطية السموات بالقبوات لطمس حقيقة عودة القديم إلى قدمه.

أما الحقيقة فهي أن الرئيس المكلف سعد الحريري مدّ يداً للثنائي الشيعي ويحاول التنصل من مد الأخرى للعهد الذي يملك قلم توقيع مراسيم تأليف الحكومة، باعتبار أنه سلّم ولو “لمرّة واحدة” بأن تكون وزارة المال للثنائي الشيعي وأن يسميّ الأخير الوزراء الشيعة، كما أنه وعد رئيس “الحزب التقدمي الإشتراكي” بأن يسمي الوزراء الدروز فيما يحاول التنصل من إعطاء الحق نفسه لباسيل في وزارة الطاقة والحقائب الأخرى العائدة للمسيحيين.

 

وهنا السؤال البديهي: هل يعود الرئيس المكلف إلى “زواجه الماروني السابق” ويتم إبطال حالة الهجر التي يعيشها اليوم مع باسيل على غرار ما فعل مع “بيت طاعة” الثنائي الشيعي؟

 

ولفهم ما هو حاصل اليوم بصورة أوضح علينا معرفة طبيعة المعركة التي يخوضها باسيل حالياً، فالأخير رفع شعار “وحدة المعايير” منذ البداية، أي منذ أن بدأ يُطرح اسم الرئيس الحريري في الأروقة السياسية كبديل للسفير أديب قبيل اعتذار الأخير. ومعركة “وحدة المعايير” يخوضها باسيل على مستويات ثلاثة مستعملاً كل الأدوات المتاحة أمامه دستوريّة كانت أم دعائيّة.

 

المستوى الأول هو التكليف، فقد رفع باسيل شعار “وحدة المعايير” طارحاً بادئ الأمر معادلة إما الحريري وأنا في الحكومة او أن الإثنين خارجها ولكنه لم يتمكّن من الإنتصار في معركته هذه وتكبّد نصف هزيمة بالنيران الصديقة، فانتقل إلى طرح آخر وهو أن الرئيس المكلف هو رئيس حزب سياسي ورئيس كتلة نيابيّة، لذا لا يمكن التعاطي معه إلا على أساس أنه رئيس مكلّف يحمل هوية سياسية، الأمر الذي يفرض عليه تأليف حكومة سياسيّة أو في أحسن الأحوال تكنو-سياسيّة أي بتعبير آخر قال باسيل للحريري: إن نغمة حكومة الإختصاصيين المستقلين هذه التي تحاول إشاعتها لا يمكن أن تصبح واقعاً وإنما ستبقى أضغاث أحلام، وهذا ما أكّده الرئيس ميشال عون في موقفه أنه مع تسمية الكتل النيابيّة لوزرائها.

 

وبالرغم من أن باسيل وما يمثل، أي العهد، قبل على مضض تكليف الرئيس الحريري إلا أنه حقق نصف انتصار على هذا المستوى باعتبار ان الجميع يدرك أن مسألة تأليف حكومة تكنو-سياسيّة أصبح أمراً محسوماً بغض النظر عن الحملات الإعلاميّة التي يمكن أن نشهدها لتغطية السموات بالقبوات الآنفة الذكر.

 

المستوى الثاني هو المداورة الشاملة، وفي هذا الإطار كانت أوساط بعبدا واضحة والمعلومات التي رشحت عن اللقاءين اللذين جمعا رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون بالرئيس المكلّف تشير الى أن الرئيس كان واضحاً جداً حيال المداورة، فإما أن تكون شاملة أو لا تكون، فيما يتم تسويق معلومات مضادة بأن الحريري سيعتمد المداورة على الحقائب باستثناء “المال”.

 

ولكن الواقعيّة السياسيّة وتوازنات القوى تفرض أنه إذا ما سلّم الحريري بوزارة المال للثنائي الشيعي فعليه التسليم بأن تكون وزارة الطاقة لأحد مستشاري باسيل، باعتبار أن الأخير لا يمكن أن يقبل بأي شكل من الأشكال أن يتم حل أزمة الكهرباء في لبنان على حسابه، خصوصاً وأن الفرنسيين مستعدون لوضع كامل خبراتهم من أجل حلّها، لذا يريد أن يأتي الحل في ظل وجوده بشكل غير مباشر على رأس الوزارة عبر أحد مستشاريه.

 

لذا الواضح أن المعركة على هذا المستوى حتى الساعة غير محسومة بعد، وهي لا تزال في مرحلة عض الأصابع، فيما السؤال البديهي هو: إذا ما سلّم الحريري بـ”وحدة المعايير” وأبصرت حكومته النور، فهل سيتمكن من كسب ربح صغير ولو معنوي عبر تضمين البيان الوزاري عبارة تؤكد أن وزارة المال ستؤول إلى الطائفة الشيعيّة لمرّة واحدة فقط؟ أم لا؟

 

المستوى الثالث هو تسمية الوزراء، انطلاقاً من “وحدة المعايير” إذا ما قبل الرئيس المكلف أن يسمي الثنائي الشيعي الوزراء الشيعة ورئيس “الحزب التقدمي الإشتراكي” وليد جنبلاط الوزراء الدروز، فهناك استحالة أن يقبل باسيل بتوقيع رئيس الجمهورية مراسيم التأليف من دون أن يكون هو من يسمي الوزراء المسيحيين. وقد بدأنا نسمع جزءاً من الحل الذي يتم تعليبه لهذه المعركة، وهو أن يقوم الرئيس بتسمية هؤلاء وليس باسيل وبالطبع سترافق هذا الحل حملة دعائية تضليليّة غب الطلب.

 

وفي هذا الإطار، تأتي الحرب الوهمية التي يسوّق لها باسيل عن عودة التحالف الرباعي للضغط وشد العصب من أجل الدفع باتجاه اعتماد “وحدة المعايير” وانتصار معركته على هذا المستوى باعتبار أنه أصبح معلوماً أن الرئيس المكلّف قد أعطى وعداً بالنسبة لتسمية الوزراء لـ”الثنائي الشيعي” وللوزير جنبلاط قبيل التكليف.

 

في المحصّلة، ولادة الحكومة مشروطة بعودة الرئيس المكلّف إلى زواجه الماروني السابق بشكل أو بآخر، ولا يمكن للحكومة أن ترى النور من دون أن يسلّم بـ”وحدة المعايير” على المستويين الثاني والثالث أي المداورة الشاملة وتسمية الوزراء، ما يعني أننا أمام “طبخة بحص” جديدة على غرار حكومتي الرئيس الحريري الأولى والثانية من هذا العهد مع فارق وحيد وهو أنها لن تتضمن من يعارض ويضرب يده على طاولة مجلس الوزراء محتجّاً على الصفقات ومطالباً بتغيير نهج الإدارة في الدولة وفرض آليّة للتعيينات وتطبيق الإصلاحات وضبط مزارب الفساد، ولن تضج ارجاء الحكومة العتيدة بصوت ضمير وبصوت المصلحة العامة والشعب، وهذا هو الفارق الوحيد.

 

نحن أمام عودة القديم الى قدمه ولكن بإصدار اسوأ. فماذا يمكن ان يرتجى من هكذا طبخة سوى الفشل ومزيد من الخيبة للبنانيين؟

LD

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *