أخبارأخبار محليةاخبار سريعةالرئيسية

نصر الله يفصل الدين عن السياسة

كتب محمد بركات في “أساس ميديا”:

مساء الأربعاء أطلّ الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله في مناسبة أربعين الإمام الحسين، بعدما وزّع إعلام حزبه أنّه سيلقي كلمة في ذلك المساء. واتجهت الأنظار إلى الشاشة، بانتظار بدء كلمته التاريخية عن ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلّة، أو الكيان الصهيوني الغاصب، أو دولة إسرائيل المزعومة…

لكن ما هي إلا ثواني قليلة، حتّى أعلن أنّ كلمته ستقتصر على الجانب الديني، دون الخوض في الجانب السياسي. وهذا غير مسبوق. سارعت إلى الأرشيف، لأتأكّد إذا ما كانت هذه المناسبة “تفرض نفسها”، وتبتعد عن السياسة، فتبيّن أنّ كلّ المناسبات المشابهة في السنوات الماضية، كان نصر الله يبدأ خطاباته بمقدّمة دينية، يدخل منها إلى حديث سياسي لا تقلّ مدّته عن ساعة.

حزب الله، لمن لا يعرف، ومنذ تأسيسه، دخل البيئة الشيعية على متن رجال الدين، وبجملة خمينية محدّدة جداً: “سياستنا عين ديننا، وديننا عين سياستنا”

لكن هذه المرّة بدأ كلمته بأنّه لا يريد الحديث في السياسة وإنّما في الدين فقط. وهذا واحد من مطالب ثوّار 17 تشرين، الذين يرغبون في طبقة سياسية غير مذهبية، وفي فصل رجال الدين عن السياسة، تحت عنوان أنّ رجل الدين يجب أن يتحدث في الدين، ورجل السياسة يجب أن يتحدث في السياسة، وعدم الخلط يبن الحديثين والرجلين.

لكنّ حزب الله، لمن لا يعرف، ومنذ تأسيسه، دخل البيئة الشيعية على متن رجال الدين، وبجملة خمينية محدّدة جداً: “سياستنا عين ديننا، وديننا عين سياستنا”. وكان شيوخ حزب الله، من الخمينيين الجدد، في بداية الثمانينات ومنتصفها، يهاجمون الشيخ الذي لا يعمل في السياسة، ويتهكّمون على الشيوخ الذين رفضوا خلط الدين بالسياسة، ويتهمونهم بـ”التخاذل”. وفق هؤلاء “أن تكون حسينياً يعني أن تعمل في السياسة على الأرض”، وبالطبع يؤكدون: “سياستنا عين ديننا وديننا عين سياستنا”.

لكن في أربعين الإمام الحسين، بتاريخ 6 تشرين الأول 2020، في لحظة مكثفة دينياً، وبعد أيام من إعلان الرئيس نبيه برّي اتفاق الإطار حول ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل، أيضاً في لحظة مكثفة سياسياً… فضّل نصر الله الصمت السياسي.

كثيرون يريدونه دائماً أن يتحدث في الدين. لكن في هذه اللحظة، التي هي لحظة حزبه بشكل أو بآخر، والتي يجب أن يتحدث خلالها، وأن يقول رأيه، حول مفاوضات الترسيم بين لبنان وإسرائيل، لماذا قرّر أن يصمت؟

هو نفسه حزب الله الذي قامت كل ثقافته السياسية والعقائدية والدينية والمذهبية والجغرافية على العداء لإسرائيل ومحاربتها بالسلاح، وعلى القتال من أجل الحفاظ على السلاح، وعلى تبنّي شعارات حماية الحدود وخوض المعارك والحروب. وفي خضمّ أزمة لبنانية طاحنة ومعارك وأزمات آتية على البيئة الشيعية حصراً، منها ربما إقفال كل فروع المصارف في المناطق الشيعية، ليصبح الشيعة جميعهم خارج النظام المصرفي. وسط كل هذا، يخرج الأمين العام لحزب الله، وأمين عام محور الممانعة في المنطقة، والمرشد الروحي لمقاتلي إيران في اليمن وسوريا والعراق وربما في إيران نفسها، لما لديه من نفوذ ومكانة، يخرج علينا في خطاب كامل ويقول: “لا أريد الحديث في السياسة، اليوم أريد الحديث في الدين”.

عظيم، كثيرون يريدونه دائماً أن يتحدث في الدين. لكن في هذه اللحظة، التي هي لحظة حزبه بشكل أو بآخر، والتي يجب أن يتحدث خلالها، وأن يقول رأيه، حول مفاوضات الترسيم بين لبنان وإسرائيل، لماذا قرّر أن يصمت؟

في هذه اللحظة التي يشتم نصر الله خلالها المطبّعين والتطبيع، والتي يرسّم لبنان خلالها الحدود ويعترف بإسرائيل بشكل رسمي من خلال الجلوس معها والتفاوض معها على طاولة واحدة وفي غرفة واحدة، بموافقة أكيدة وصريحة من حزب الله، في هذه اللحظة التاريخية، يرفض نصر الله الحديث في السياسة، ويكتفي بأن تصدر كتلة حزب الله النيابية بياناً يعلن أنّ “تحديد إحداثيات السيادة الوطنيّة هي مسؤوليّة الدولة اللبنانية” وأنّ الإطار التفاوضي “لا صلة له على الإطلاق بسياسات التطبيع”.

حسناً.. لكن نريد أن نسمع رأي السيّد نصر الله. أم أنّ “ضربة” الترسيم على متن الممانعة، كانت قوية إلى درجة أنّها حالت دون الكلام في السياسة؟ أو ربما قرّر نصر الله أن يمارس “فصل الدين عن السياسة”، بعدما اكتشفت كتلته متأخرة جداً أنّ “تحديد إحداثيات السيادة الوطنيّة هي مسؤوليّة الدولة اللبنانية”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *