الرئيسيةثقافةحكمة اليوم

التوكّل على هدي القرآن

كتب الشيخ كامل العريضي في موقع قناة الجبل:

الحمدلله الوكيل، الكافي لمن إلتجأ إليه وأناب، وصلى الله على عبده محمد المتوكل، وعلى آله وصحبه الذين عرفوا معنى التوكل الحقيقي على الله، فخضعوا له ساجدين شاكرين مطمئنين في السراء والضراء.

إخواني وأخواتي؛

يعد التوكّل على الله سبحانه من المقامات العالية والرتب السامية، وطريقا مختصرة لمعرفة الإنسان ذاته وربه، لأن التوكّل لا يصح إلا بعد معرفة المتوكَل عليه، وهذه المعرفة تكون حسب اجتهاد المؤمن وصدق طلبه وقيامه بما أمره الله تعالى به من واجبات، والابتعاد عما نهى عنه من محرمات وموبقات بنية خالصة وتوجه دقيق لوجهه تعالى. ولتبيان أهمية هذه المكرمة الإلهية، فقد أفصح سبحانه وتعالى لعباده عن محبته للمتوكلين، وما هذا الإفصاح إلا تعريف وتوجيه للسالكين والمجاهدين لخلاص روحهم وتطهيرها من الشوائب، لحثهم على اقتناء هذه الفضيلة المعظمة في ذواتهم، كما قال تعالى: { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.
هذا بالإضافة إلى ورود ذكر التوكل 70 مرة في 61 آية في القرآن الكريم، بالإفراد والجمع والماضي والمضارع والأمر كما أحصاها العلماء. وهي على ما يلي: وَكِيلاً، وَكِيل، فَلْيَتَوَكَّلِ، وَتَوَكَّلْ، تَوَكَّلْتُ، يَتَوَكَّلُونَ، توكلنا، الْمُتَوَكِّلُونَ، فَتَوَكَّلْ، يَتَوَكَّلْ، نتوكل، وَكَّلْنَا، الْمُتَوَكِّلِينَ، وُكِّلَ، يَتَوَكَّلُ.

تعريف التوكّل

لغة: هو الإعتماد والتفويض وتوكيل الأمر إلى شخص ما، أي تفويضه به والإعتماد عليه فيه. ووكل فلان فلاناً إذا استكفاه واعتمد عليه وفوض الأمر إليه ووثق به. والتوكل إظهار العجز والإعتماد على الغير، وأصله من الوكول ويقال وكلت أمري إلى فلان أي اعتمدت عليه .

اصطلاحاً: هو صدق الإعتماد على الله في تسيير الأمور، واستجلاب المصالح، ودفع مضارّ الدنيا والآخرة، فيكون العبد واثقاً مما عند الله تعالى، وراضياً به، ويائساً ممّا في أيدي الناس، قال تعالى: {إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} ‏.

درجات التوكّل:

الأولى: معرفة الرب وصفاته من قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه وصدورها عن مشيئته وقدرته.

الثانية: إثبات الأسباب ورعايتها والأخذ بها.

الثالثة: رسوخ القلب في مقام التوحيد.

الرابعة: اعتماد القلب على الله واستناده إليه وسكونه إليه بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب ولا سكون إليها، وطمأنينته بالله والثقة بتدبيره.

الخامسة: حسن الظن بالله عز وجل.

السادسة: استسلام القلب لله وانجذاب دواعيه كلها إليه وقطع منازعته.

السابعة: التفويض وهو إلقاء العبدِ أمورَه كلها إلى الله، وإنزالها به طلباً واختياراً، لا كرهاً واضطراراً. والتفويض هو روح التوكل ولبّه وحقيقته.

الثامنة: الرضا وهو ضد السخط، ويُراد به: تقبُّل ما يقضي به الله عز وجل من غير تردد ولا معارضة وارتفاع الجزع في أي حكم كان.

كيفية تحقيق التوكل على الله؟

هناك أمور كثيرة إن فعلها العبد الطائع تحقق لديهِ التوكل على اللهِ سبحانه، منها:
١_ البعد عن الذنوب والمعاصي التي تُغضب الله عز وجل، فإقدام العبد على فعل معصيةٍ ينافي مفهوم التوكل على الله سبحانه. قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}.
٢_ بإيمان العبد بأنَّ ما كتب الله سبحانه نافذٌ، وما قدّره الله له كائنٌ، وإن بدت الأمور بعكس ما يريد. فعليه الإيمان بأنَّ الله سبحانه قد اختارَ لهُ الأفضل. قال تعالى: { قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.

٣- تحقيق التوكل لدى العبد لا ينافي السعي والأخذ بالأسباب التي قدَّر الله عزّ وجل المقدورات بها، وجرت سنة الله في خلقهِ بذلك، فالله سبحانه وتعالى أمر العبد بالأخذ بالأسباب، كما أمرهُ بالتوكّلِ عليه سبحانه، فالسعي في الأسباب يكون بالجوارحِ طاعة لهُ، والتوكّل على الله يكون بالقلبِ إيماناً بهِ سبحانه، قال الله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ }. وقال سبحانه: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ}.

٤_ بمعرفةِ المسلم أنَّ بتوكّلهِ هذا ينالُ رضا الله سبحانه ومحبته، قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}. ويُجازى المتوكل بالجنة قال تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. ولعل كل ما ذُكر في وصف الجنة وثوابها يبقى قليلا عند الثواب الحقيقي، الذي أشار إليه تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}.

٥_ شعور العبد بضعفهِ، وفقرهِ، وحاجته لله سبحانه وتعالى، فمهما بلغ من أسباب القوة يبقى ضعيفاً، ويحتاج إعانة الله له في أمور حياته، وفي التغلب على مصائبهِ، وكروبهِ، قال تعالى: { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا}.

عوائق التوكّل:

1- الجهل بمقام الله من ربوبية وألوهية، وأسماء وصفات.

2- الغرور والإعجاب بالنفس.

3- الركون للخلق والاعتماد عليهم في قضاء الحاجات.

4- حب الدنيا والإغترار بها مما يحول بين العبد والتوكُّل؛ لأن العبادة لا تصِح مع جعْل العبد نفسه عبدًا للدنيا.

ثمرات التوكّل على الله

وللتوكّل على الله ثمار منها:

١_ كفاية الله للمتوكل وحمايته له حيث يقول الله تعالى: { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.
٢_ طمأنينة النفس سبب في جلب النفع ودفع الضر. سبب في محبة الله العبد؛ حيث يقول الله تعالى: { إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }.
٣_ شجاعة النفس وقوة القلب والروح.
٤_ حماية الإنسان من وساوس الشيطان. ووقايته من شر الحسد، ومن الأمراض القلبية، كالعجب، والكبر، والتشاؤم.
٥_ الرضا بقضاء الله وزيادة الإيمان والثقة به.
٦_ الفوز برضى الرحمن وعفوه في الدنيا والآخرة.

الفرق بين التوكّل والتواكل

التواكل: هو عدم الأخذ بالأسباب أو السعي للحصول على الرزق بحجة أن الله الرازق، والتواكل يتنافى مع العقيدة الإسلامية لما في التواكل من كسل وخمول والاعتماد على الغير. مثال: أن تدعو الله بالنجاح في الامتحان من دون أن تدرس فهذا يسمى بالتواكل، فإنّ الله يستجيب دعاء الذين درسوا، ثمّ توكّلوا عليه واعتمدوا على توفيقه ثمّ على دراستهم.

وهذه ابرز نقاط الفرق بين التوكّل والتواكل :

١_ يعتمد المتوكّل على نفسه ويتصف بالنشاط والعمل والمثابرة، أمّا المتواكل فيعتمد على غيره ولا يخطو خطوة واحدة إيجابية في حياته.

٢_ يرضى الله على الإنسان المتوكّل عليه ويساعده ويحفظه من السوء ويضع مفاتيح الخير أمامه ويهديه دائماً لاتّباع الطريق الصائبة ويثيبه على سعيه في الحياة، أمّا المتواكل فلا يرضى عنه الله ولا يحظى بتوفيق الله وتيسيره، ولا يستجيب لدعائه.

٣_ المتوكّل كثير الفعل والدعاء ينوي وينفّذ ما نوى، أمّا المتواكل فلا يفعل ولا ينوي، بل يتكلمّ كثيراً ولكنه لا ينفّذ شيئاً.

٤_ التوكّل يدفع الإنسان للاطمئنان على رزقه وحياته وصحته وعدم الخوف من الآخرين؛ لأنّ الله هو من يتولى شؤونه، أمّا التواكل فيشعر صاحبه بالخوف دائماً لأنّه ضعيف الإيمان وكسله هو من يدفعه للجلوس وعدم الإقدام على العمل والسعي.

٥_ يتصف المتوكّل بالصبر والتحمل والحمد دائماً، وتقبل السراء والضراء، أمّا المتواكل فإنّه لا يمتلك الصبر والتحمّل ولا يدرك أنّ نقص الرزق، والصحّة، والمال نتيجة تخاذله.

٦_ التوكّل يدفع الإنسان إلى التواضع، فيرى الحياة والخلق ملك للخالق، ونحن عابدون فيها ساعون للعيش والعبادة فليس لأحد أن يتكبر على الآخر ما دمنا متشابهين لا يميزنا سوى أعمالنا، والتواكل يدفع صاحبه للغرور ورمي حموله وواجباته على الناس، فيرى نفسه الأفضل دائماً لقلّة معرفته بالدين الصحيح وأحكام التقوى.

٧_ التوكّل يشعر الفرد بالبهجة والفرح عند الحصول على ما يريد ويشعر بمدى إنجازاته سواء في المال أو في النجاح نتيجة الكد والاجتهاد، أمّا المتواكل فلا يشعر بالفرحة لأنه معتاد على الجلوس، ولا يشعر بلذة تعبه وجهده في سبيل أهدافه.

كن متوكّلاً على الله قوي الإيمان به ومستنداً إلى واسع رحمته ورزقه، ولا تكن متواكلاً خاملاً متخاذلاً فتخسر الدنيا والآخرة.

إخواني وأخواتي
جعلنا الله وإياكم من المتوكلين وليس المتواكلين، الذين أحبهم الله، ورضي عنهم وقربهم إليه. لأن هذه الفضيلة من فضائل الأنبياء والمرسلين والأولياء المقربين، وقد أمرهم الله سبحانه بها فامتثلوا لها وجعلوها سلما ومعراجا لهم لنيل رحمته ورضوانه تعالى.

كامل العريضي مدير ثانوية الاشراق المتن

المراجع:
١_ القرآن الكريم.
٢_ وكفى بالله وكيلا؛ المملكة العربية السعودية _ الرياض؛ ٢٥٢ ١٤٣٥ هـ؛ ملتقى الخطباء.
٣_ مكارم الشيرازي، الأخلاق في القرآن، ج 2، ص 255.
٤_ التوكل؛ موسوعة الكلم الطيب.
٥_ ياسر أنوى؛ تعريف التوكل في اللغة والاصطلاح؛ شوال 1428؛ موقع مداد.
٦_ محمد حواجري؛ التوكل على الله؛ أبريل ٢٠١٧؛ موضوع دوت كوم.
٧_ هديل شلش؛ الفرق بين التوكل والتواكل؛ ديسمبر ٢٠١٥؛ موضوع دوت كوم.
٨_ أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد؛ التوكل على الله؛13/4/2013؛ موقع الاستاذ الكتور سليمان بن قاسم بن محمد العيد.
٩_ إكرام جلال؛ حقيقة التوكل على الله؛ ٢٠١٢؛ الألوكة الشرعية.
١٠_ د. مهران ماهر عثمان؛ التوكل على الله؛ صيد الفوائد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *