Uncategorizedالرئيسيةثقافةعطينا من علمك

ماما ما في ناس مش مناح بالحقيقة ؟

كتب الشيخ كامل العريضي في موقع قناة الجبل:

خلال جلستها المسائية المعتادة قبل نوم أطفالها الصغار، كانت الأم الفاضلة تقص عليهم القصص الهادفة لتوعيتهم بأسلوبها الشائق والممزوج بالعاطفة الصادقة والمحبة الخالصة. وهذه القصص غالبا ما يكون أبطالها شخصيات كرتونية يحبها أطفالها، أما السرد والوقائع فتختلف كل ليلة بناء على ما تراه الأم من حاجة أولادها لتربيتهم تربية صالحة، وقد تستمر القصة الواحدة عدة ليالٍ لبلوغ الهدف المنشود، من دون أن يخفى على الأم من حيث سعة اطلاعها ومتابعتها للتقارير والمنشورات والحوارات العلمية والنفسية والتربوية الخاصة بتربية الأطفال، أن تطلب منهم أن يقصوا هم بدورهم عليها قصصهم، فيعبّر الطفل عن مكنونات نفسه الجميلة، أو يفصح بعفويّته عن مخاوفه من خلال قصته التي ينسجها من خياله، فعلماء النفس يؤكدون أن هذه القصص البريئة تعكس كل ما يضج داخل الطفل من عالم كبير ولامتناه.

وفي إحدى الليالي الصيفية الرائعة، وبينما كان القمر يطل بنوره على غرفة الأطفال الصغار من النافذة المشرفة على وادٍ جميل، ليزيدها إشراقا وسكونا وصفاء، وبعد العديد من المحاولات الروتينية التي يفتعلها الأطفال يوميا لتطويل مدة السهر واللعب، وبعد نفاذ طلباتهم التي حفطتها والدتهم عن ظهر قلب من طلب ماء أو طعام، أو حلول روح النخوة وحب المساعدة في ترتيب الغرفة، لتصل النخوة إلى تكنيس الأرض أو مسحها. كل هذه التضحيات الجليلة لتطويل وقت السهر وعدم الخلود للنوم. إنها حرب ضروس تدور رحاها كل ليلة وكم تكون الفرحة كبيرة عند الوالدين عندما يستعمل الأطفال أسلحة جديدة من مخزن براءتهم _ لكسب وقت إضافي _ تطلقها قاذفات طفولتهم حيث تتنشر شظايا السعادة في أرجاء القلوب وعلى جدران المنزل.

كانت قصة الأم تلك الليلة توصل رسالةً تحذر من ذهاب الأطفال إلى أي مكان ومع أي أحد من دون أخذ الإذن الواضح منها أو من والدهم، وإن كان مع الأقارب، لأنها تضيعهم وينشغل بالها عليهم وهي تخاف أن يكون هناك غرباء أو أشخاص سيئون _ مش مناح _ قد يخطفونهم ويأخذونهم إلى مكان بعيد. وتكمل الأم المربية تلك القصة فتخبرهم أنه لا يجب أخذ أي شيء من الذين لا نعرفهم، وقد يحاول بعضهم القول” إن والدكم قال لي تعالوا معي وهو بإنتظاركم عند بيت جدكم، حذار من ذاك يا أحبائي” فوالدكم لا يسمح لأي أحد غريب بأخذكم معه إلى أي مكان. إنها أساليب لأشخاص ” مش مناح”. وبعد الإنتهاء من تلك القصة وتحذير الأطفال من تلك ألافعال وضرورة الإنتباه منها، قالت الأم: “عند حدوث مثل تلك الحالة معكم مع هؤلاء الأشخاص الغرباء عليكم بالصراخ بصوت عالٍ والركض بسرعة نحو المنزل؛ فنحن نسمع صوتكم ونأتي اليكم وهو يهرب؛ لانه محتال.
لاحظت الأم علامة الاستغراب على وجه أطفالها، وكأن لديهم ما يخفونه. فقالت لهم في تلك اللحظة كي تكتشف ما يفكرون، هل فهمتم يا أعزائي القصة؟ وما كادت تنتهي من سؤالها حتى قال لها أحد أولادها بثقة:”ماما، ما في ناس مش مناح بالحقيقة بس بالأفلام، صح ماما؟؟؟” انتقلت تلك الدهشة والاستغراب من الولد إلى الأم! ماذا تقول لتلك البراءة والطهارة؟ إنه يظن أن هذا العالم ممتلئ بالرحمة والمحبة والناس المناح وليس فيه متسع للظلم والقهر والشر والشريرين!
لقد احتارت الأم أية حيرة، هل تقول له نعم في ناس مش مناح بالحقيقة، قد تفسد عليه براءته ونقاء روحه؛ أم أنها تخبره بالحقيقة وبالتالي يكون قد تلقى أول صفعة قوية على منظومة البراءة التي يتمتع بها.

إنها الحياة يا ولدي؛ وهذا أول خدش في حياتك الطاهرة قد تلقيته مني. لماذا العالم لا يسعون إلى الفضيلة وفقط الفضيلة؟ لماذا لا نستطيع أن نحيا كما يحيا ألاطفال في منظومة طهرهم؟ كنا أطفالا وكانت لدينا تلك البراءة ولكن لماذا عندما نكبر بعدد السنين، لا تنمو معنا بل تتضاءل وتصغر؟ أليس من المفترض أن كل شيء يزداد ويكبر مع مرور الوقت؟ إلا أن تلك المنظومة القيمة تتقلص وتضعف، حتى باتت تلك الصفة ” البراءة ” كأنها مذمة أو نقص في عالم الكبار، حيث يقال: فلان حرام شو بريء. وهنا تذكرت الأم المربية كلام السيد المسيح عليه السلام:
في تِلْكَ السَّاعَة، دَنَا التَّلامِيذُ مِنْ يَسُوعَ وقَالُوا: «مَنْ هُوَ الأَعْظَمُ في مَلَكُوتِ السَّمَاوَات؟».
فَدَعَا يَسُوعُ طِفْلاً، وأَقَامَهُ في وَسَطِهِم،
وقَال: «أَلحَقَّ أَقُولُ لَكُم: إِنْ لَمْ تَعُودُوا فَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَطْفَال، لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَات.
فَمَنْ وَاضَعَ نَفْسَهُ مِثْلَ هذَا الطِّفْلِ هُوَ الأَعْظَمُ في مَلَكُوتِ السَّمَاوَات.
ومَنْ قَبِلَ بِٱسْمِي طِفْلاً وَاحِدًا مِثْلَ هذَا فَقَدْ قَبِلَني.

نعم كل تلك الأسئلة وكل تلك المفاهيم جالت في خاطرها في لحظات معدودة. وقالت لأطفالها وكان النعاس قد بدأ يتسلل إلى عيونهم التي ترى بخلاف ما نراه: “للأسف يا أحبائي هناك ناس مش مناح بالحقيقة أيضا” …

الاستاد كامل العريضي مدير ثانوية الاشراق المتن

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *