الرئيسيةثقافةعطينا من علمك

الكتابة العربيّة المستدامة

كتب الشيخ كامل العريضي.

يدين العالم للحضارة العربية، بما حققته من إنجازات للبشرية، في علوم الطب والهندسة والفلسفة والرياضيات والكيمياء والفلك، فكانت كتب العلماء والفلاسفة والحكماء العرب تُترجم الى لغات العالم للاستفادة منها. بالإضافة إلى حركة الترجمة وما نقلته من المعارف والعلوم الأجنبية، مثل الفلسفة اليونانية والطب المشرقي وغيرهما، ناهيك بدور الجامعات العربية الكبير في حضارة الأندلس، وما كان لها من تأثير عظيم على مستقبل أوروبا الحديث.

فهذا التراث العلمي العربي الغني الذي نشأ وترعرع تحت مظلة الحضارة العربية الإسلامية الممتدة من القرن 8 الميلادي حتى القرن 16 للميلاد، فرض على الإنسان المثقف والساعي إلى الإلمام بعلوم عصره آنذاك أن يتعلم اللغة العربية. وقد قال المؤرخ والفيلسوف جورج سارتون في كتابه تاريخ العلم: ” إن علماء الإسلام والعرب عباقرة القرون الوسطى، وتراثهم من أعظم مآثر الإنسانية. إن الحضارة العربية الإسلامية كان لا بد من قيامها. وقد قام العرب بدورهم في تقدم الفكر وتطوره بأقصى حماسة وفهم، وهم لم يكونوا مجرد ناقلين كما قال بعض المؤرخين، بل إن في نقلهم روحاً وحياة. فبعد أن اطّلع العرب على ما أنتجته قرائح القدماء في سائر ميادين المعرفة، نقّحوه وشرحوه وأضافوا إليه إضافات مهمة وأساسية تدل على الفهم الصحيح وقوة الابتكار”.

وبعد ذلك، أفِلت شمس الأمة العربيّة، إذا ما استثنينا بعض الإنجازات والإختراعات والمبادرات على الصعيد الفردي، وهي مع ذلك، في الأعم الأغلب، برعاية دول أجنبية، لامتلاكها التقنيات اللازمة، ولاحتضان حكومتها الأدمغة والمفكرين. وللأسف، توالت الهزائم العسكرية والسياسية والاقتصادية، فقسمت الأمة، وشتت المشتت، وانهمك العرب في محاربة بعضهم بعضا.

وفي خضم هذا الواقع المرير انقسم أغلب المفكرين والأدباء والكُتّاب إلى قسمين:

القسم الأول: بقي في الماضي المجيد، فكتب ووصف وأبدع، وتغنى شعرا ونثرا بما حققه الأسلاف، ولكنه مازال في الأمس.

القسم الثاني: ينظر إلى الحاضر، ويخطّ بتشاؤمٍ الواقعَ، ويصوّب على مكامن الخلل، ولا يرى الأفق إلا قاتما، فبلغ اليأس والإحباط منه مبلغا.

وبحسب رأيي، نحن نريد قسما ثالثا، يدرس الماضي بوعي، ويحلل الحاضر بتفاؤل، ويقدم حلولا واقتراحات للمستقبل. فاذا نحن فشلنا لأسباب متعددة في نهضة أمتنا، فعلينا بالحد الأدنى ألا نورث هذا الفشل والعجز الى أولادنا. لأنه كلما كتبنا وأثقلنا آذانهم بمصطلحات الضعف وانعدام الحيلة لقيام الأمة، نساهم في توريثهم فشلنا.

بالله عليكم فلنكتب للجيل الصاعد أننا أمة كبيرة وندل على مواقع قوتها وعزتها وكرامتها، ولنكرر على مسامعهم أنهم يمتلكون الطاقة والكفاءة، لعلنا نساهم في توعية الجيل القادم والأجيال التي لم تولد بعد.

بالله عليكم كفى تدوين عبارات الذل والانكسار والهوان، كفى نحت كلمات الضعف والوهن والانحطاط. نريد الإضاءة على مصطلحات الإباء والشموخ والأنفة، وترداد مفردات المحاولة والقدرة والاستطاعة.

قد يقول قائل إننا في عالم الأحلام، وما نفع الكتابة بهذه الروحية التفاؤلية، مادام الواقع كما هو؟

نقول: إذا كتبنا واقعنا كما هو، فالنشء الآتي لن يغير شيئا، بل سيستسلم تحت عنوان “آبائنا لم يقدروا أن يغيروا، فمن نحن”؟ لذلك فلنكتب عن اقتصادنا وصناعتنا وزراعتنا وسياستنا كما يجب أن تكون، لا كما هي الآن، وعن الإمكانات الموجودة في أمتنا من موارد بشرية وطبيعة وموادّ أولية. لعلّ تلك المدونات مع مؤهلات الأجيال القادمة تكون وقودا لطموحاتهم، ودافعا معنويا لتحقيق مقاصدهم، فتنطلق عجلة آمالنا من خلالهم، ويسير قطار نهضتنا على سكتهم، وتحلق طائرات أفكارنا في سماء تألق أمتنا عبرهم.

فلنكتب، ولنتخيل أنفسنا نقرأ ما كتبناه بعد سنين، كما نقرأ لمن كتب من مئات السنين.

فإذا كان تقرير “مستقبلنا المشترك” المعروف باسم “تقرير برونتلاند”، والذي صدر عن اللجنة العالمية للبيئة والتنمية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، قد عرّف التنمية المستدامة بأنها “التنمية التي تستجيب لحاجيات الحاضر دون أن تُعرِّض للخطر قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها”.

فإننا بأمس الحاجة للكتابة المستدامة التي أرغب بتعريفها، أنها الكتابة التي تنقل التاريخ بأمانة، وتدون الواقع بصدق مع إقتراح البدائل، وتمد الأجيال الآتية بروح تفاؤلية تدلها على نقاط القوة في الموارد البشرية والطبيعة التي نمتلكها.

لذلك أرجو من أصحاب الأقلام الراقية والأفكار الثاقبة والنفوس التي مازالت تؤمن بأننا أمة، أن تكون الكتابة المستدامة عن أمتنا العربيّة العزيزة عنوانها، لا بكاء على الأطلال، ولا انهزام الحاضر، بل حروفا إيجابية تستخلص العبر وتضع البدائل للأجيال التي لم تولد بعد.

كامل العريضي مدير ثانوية الاشراق (المتن)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق