الرئيسيةثقافةعطينا من علمك

كورونا: بين عصا التأديب وسيف القيم

الشيخ الدكتور وجدي الجردي

الكورونا هذا الوباء الذي يقض مضاجع الناس، صغيرًا وكبيرًا، ملكًا وأميرًا، رئيسًا ووزيرًا، طبيبًا واستاذًا ومديرًا، وشيخًا ومطرانًا وغنيًّا وفقيرًا، فيقتل بلا رحمة، ويصرع بلا رصاصة يطلقها، ولا يغرس إبرة. لا يُرى بالعين المجرّدة لأنّه مجهريّ خفيّ، ولا يدعك تحسّ بلمسه لأنّ من أوجده عبقريّ. يغزو بلا جيوش ترافقه، ولا طائرات تدعمه لتنصره، بل يمشي بلا جسد، وكأنّه شبح من الأشباح، ويمخر الجلد، وكأنّه غادٍ وسوّاح. يسوح بين البلدان بلا جواز سفر يحمله وما بيده فيزا ولا عنوان. فمن الصين إلى إيران، ومن إيطاليا إلى أسبانيا فلبنان إلى كلّ البلدان. يزور النّاس في ديارهم، فيوصدون في وجهه النوافذ والأبواب، ويدور حول عمارهم، فيغسلون أيديهم ويضعون على وجوههم الحجاب. أتراه جاء حاملًا في جعبته عصا التأديب وسيف القيم، أم أنّه سيبدّل النعم بالنقم؟ بعدما تمادى في غيّهم وظلمهم البشر، وغلب عليهم الشرّ وانتشر. أيظنون أنّهم لن يحاسبوا على سرائر نفوسهم وضمائر قلوبهم التي أمست صمّاء بكماء كالحجر. فأين دقّة النظر؟ وهل من معتبر؟ أم أننا نمشي على وجه البسيطة كما تمشي خيالات الصور؟
أيهّا الوباء الحامل الدّاء، لأنت الدواء إذا أدرك النّاس سرّ الوجود، ولقد سبقك تسونامي فأفنى مئات الآلاف في وقت محدود، فما أحد من الخلق اعتبر. يقولون حدث مثل ذلك في التاريخ، وقبل الكورونا كان وباء الطاعون، والملاريا والهواء الأصفر، وغيره من الأوبئة التي كانت في غارب الأزمان، وحدثت مجاعات، وحروب دمّرت البلدان. لكنّهم نسوا أو تناسوا ما قد حصل مع قوم عاد وثمود، وما أصاب قوم لوط، فعندما يأتي الداء يرتجف المرجفون، ويحاول الاحتماء منه الصالحون والطالحون، ويتناسون أنّ أمراض الأجسام وإن تشعّبت فلها من يداويها، وأمّا أمراض النفوس فيحار الأطباء فيها، لأنّ النفس الغافلة عن سرّ معناها لا تذكر مولاها. وهي لا تألم وإنما يألم الجسد، ولذلك تراهم يخافون عليه، لأنّ العقاب يؤلمه، ويتناسون مرض النفس، لأنّ الجهل يحجبه.
فيا كورونا حللت أهلا ونزلت سهلا، لا لأنك نذير شؤم على البشر، بل لأنك بشير خير يهابك الجبابرة، لعلمهم أنّك رسول موت للأجساد، وما فطنوا أنك تحمل رسالة ميلاد، ولكنّه ميلاد مجيد، يغرس الفضائل، ويبشّر بالنور، ألم يقل سبحانه في كتابه العزيز: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور). وقد فسّرها السيّد الأمير جمال الدين عبدالله التنوخي قدّس الله روحه بقوله:(أي يخرجهم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمة المعصية إلى نور الطاعة، ومن ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، ومن ظلمة الحسّ إلى نور المعنى، ومن ظلمة الكون إلى نور المكون)، حيث لا أمراض للأجسام، ولا أدواء للنفوس، بل سعادة دائمة، كما قال الشاعر:
الجسم يفنى ويبقى خلفه الأثرُ
والنفس تبقى وما للمرء معتبر
فإن نهته عن الأخطاء تعصمه
وإن رمته إلى الأوزار يحتضر
والعقل ما بينهما نور ومعرفة
هو السعادة إن راقت به الصور
فصورة الخير جسم زانه أدب
بما أصاب ونفس شاقها السفر
إلى علوم رسول ليس يدركها
إلاّ عبيد سمت في نفسه الفِكَرُ
ما أجمل النور في مرآة منتظر
يطوي الزمان غريبًا وجهه القدرُ

مدير عام مدارس الاشراق

الشيخ الدكتور وجدي الجردي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى