أخبارأخبار محليةاخبار سريعةالرئيسية

مصير لبنان ونظامه السياسي: فدرالية الغاز والنفط

كتب منير الربيع في “المدن”: يعيش لبنان، ما بعد 17 تشرين، وفي ظل التطورات التي تشهدها دول المنطقة، صراعاً بين ثلاثة خيارات. اثنان منهما يندرجان تحت خانة “الواقعية”، والثالث يأخذ طابع “الحلم اللبناني”، أو حلم الشباب وطموح الذين ثاروا وانتفضوا بحثاً عن وطن حقيقي ودولة مدنية، يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات، ولا يقبعون كرعايا طوائف. بالنسبة إلى الخيارات الواقعية، هناك تغيير حتمي سيطرأ على التشكيلة السياسية، أو آلية إنتاج السلطة مستقبلاً. التنافس المحموم بين الأفرقاء على رسم جديد للبنان: هل يُعاد إنتاج التركيبة ذاتها في “تسوية” مشابهة لمنطق التسويات ذاته، على قاعدة “التوازن” (أو الأوزان) بين الأحزاب الطائفية، بتعديل طفيف يتمثل بفتح الباب أمام فريق جديد “يمثّل” الثورة والشباب؟ أم يحدث تجاوز للطائف ويتم تشريع الفرز الجغرافي والمناطقي الواقع اجتماعياً (وسياسياً)، لتكريسه إدارياً ومالياً؟ أي “اللامركزية المالية والإدارية الموسعة”، كشكل من أشكال الفدرالية؟

السنّة بين تركيا والخليج

تحت هذه الأسئلة التي تحكم الصراع السياسي المقبل، يتسع التنافس المحموم على مناطق النفوذ، والتي لن تكون محصورة فقط بإدارات الدولة وقطاعاتها المالية والإدارتية والخدماتية، إنما أيضاً ما ستأتي به المرحلة المستقبلية من موارد ترتبط بملف النفط والغاز والبلوكات البحرية. وهذه الأخيرة، حدث توزيعها السياسي والمناطقي على أساس الولاء الطائفي- السياسي. بمعنى أن بلوكات الجنوب هي من حصة الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل، وفي بيروت والشمال للسنّة، وما بين بيروت وصيدا للدروز، وبين بيروت وطرابلس للمسيحيين.

والتنافس الطائفي على الموارد ومواقعها أو منابعها، مرفود بدعم دولي أو إقليمي. إذ أن كل جهة إقليمية ترعى الطائفة المحسوبة عليها. هنا، ثمة أدوار وأنشطة متضاربة على الساحة السنّية حصراً. تركيا التي كانت وقعت مع إحدى الحكومات اللبنانية سابقاً اتفاقاً مشتركاً للتنقيب عن النفط في البحر الأبيض المتوسط، مع عدم الترسيم البحري مع اليونان وقبرص ومن دون التوافق معها، تجد نفسها محاصرة بإجراءات لبنانية ودولية متعددة، أولها نقض الاتفاق بين الحكومتين اللبنانية والتركية. وهو ما حدث عندما أبرم لبنان اتفاقاً مع اليونان وقبرص على الترسيم البحري. الأمر الذي تنظر إليه تركيا بأنه مضر في مصالحها. الطرف السنّي الآخر الذي يعارض النشاط التركي في لبنان، يتلاقى مع النشاط المصري ودور مصر على الساحة، كما يتوسل إرضاء دول الخليج، ويفضّلها على تركيا.

هذا الانقسام السنّي يتسق مع التنافس المحموم على الساحة السنية شعبياً وسياسياً، التي تشهد تضارباً بين تيارات عدة، بعضها مؤيد للثورة الشعبية، وبعضها الآخر مؤيد لسعد الحريري، وبعضها معارض له، أو يريد استنباط حريرية جديدة سياسياً.

لا ينفصل ذلك عن كلام كثير، وتقارير متعددة في الكواليس الأمنية والسياسية، تشير إلى الدور التركي على الساحة السنّية. وهذا لا يخلو من التحريض على تركيا، وسعياً لتطويق أنقرة وأنشطتها، وفق ما يتحدث مسؤولون لبنانيون على خصومة معها. ربما هذا ما يبرر في المقابل إعادة تفعيل العلاقات بين الحريري ودول الخليج.

الترسيم وخطوط الأنابيب

في هذا الوقت، يحطّ وزير الخارجية اليوناني في بيروت للقاء مختلف المسؤولين. وحسب المعلومات، فإن اللقاءات تركزت على البحث في ملف الترسيم البحري بين اليونان وقبرص ولبنان. والترسيم حتماً سيرتبط مستقبلاً بالاشتراك بأحد أنابيب النفط والغاز للتوريد عبره إلى الخارج. هنا يقف لبنان أمام خيارين. طبعاً، لا يريد الخيار التركي، الذي تحاول تركيا التفاهم عليه مع روسيا وإيران ويمر في لبنان. لكن روسيا أيضاً تعمل على التوافق مع الإسرائيليين على خط الأنابيب. وهي ستكون قادرة على لعب دور أساسي في لبنان شمالاً مع سوريا، وجنوباً بحكم علاقاتها بحزب الله وإيران.

أما الخيار الثاني، فهو ارتباط لبنان بالخط المشترك مع التحالف الرباعي المصري الإسرائيلي اليوناني القبرصي، والذي يراد له أن يشمل الأردن أيضاً. طبعاً، لبنان أمام مشكلة أساسية مع هذا الخط بسبب إسرائيل. وهنا ثمة اقتراح دولي بأن يشترك لبنان بهذا الخط، من دون اشتراك مباشر مع إسرائيل، على قاعدة إما أن تشتري إحدى الشركات النفطَ والغاز اللبناني، وتتولى جرّه بهذا الخط، وإما أن لا يتزامن الضخ اللبناني مع الضخ الإسرائيلي. وهذه كلها حلول التفافية على حقيقة واقعة. ولا شك أن المنطقة الأهم كحقول نفطية هي منطقة الجنوب، والبلوكات هناك، نظراً لموقعها الجغرافي والاستراتيجي. وهذه المنطقة -عملياً – تقع تحت نفوذ حزب الله ومن خلفه إيران، فحتى الرئيس نبيه بري يتولى المفاوضات بشأن هذا الملف، بتكليف من الحزب ومن إيران. وبالتالي، أي حلّ نهائي فيه سيكون مرتبطاً بمفاوضات إيرانية أميركية، وسيكون الملف اللبناني ملحقاً بها أو متأثراً بنتائجها، فيما هناك من يراهن على فتح قنوات اتصال أو تفاوض إيرانية – خليجية على كل ملفات المنطقة. وهذه، بحال حصلت وتحققت، حتماً سيتأثر بها لبنان، ولا تنفصل عن الإرادة العربية في إبعاد تركيا عن الملف اللبناني.

تغييرات جذرية

إذا كان اتفاق سايكس بيكو قبل أكثر من 100 سنة، أدى إلى تقسيم المنطقة وتوزيع نفوذها وفق خطوط النفط، فإن الصراعات والحروب والتنافس على مناطق النفوذ الذي دار في السنوات الأخيرة، أيضاً، يرتبط بخطوط النفط والغاز في المناطق الجديدة، أي مصر، ليبيا، سوريا، الأردن ولبنان. وهذه الصراعات والحروب، التي أدت إلى تغييرات جذرية في دول المنطقة، كما هو الحال في سوريا والعراق وليبيا، لن يكون لبنان بعيداً عن التأثر بها، تماماً كما حصل في بين الخمسينيات والسبعينيات. إذ كانت هناك محاولات لفرط الصيغة اللبنانية، التي أعيد تجديدها بشكل متطور في اتفاق الطائف. اليوم أيضاً، لبنان أمام مخاض جديد. إما يعاد إنتاج التركيبة ذاتها بتغييرات سياسية، وإما يطاول التغيير بنية النظام، مع توسيع منطق اللامركزية الإدارية، والتي ستكون لامركزية طائفية ومناطقية مالية وسياسية وإدارية، كفدرالية مكرّسة دستوراً.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *