الرئيسيةعطينا من علمك

القتل الرّحيم… أحقٌّ أم جريمةٌ؟

تنصّ المادّة الأولى من شرعة حقوق الإنسان على ما يلي: “يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وُهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء” . وورد في المادة الثالثة: “لكلِّ فرد الحقُّ في الحياة والحرِّية وفي الأمان على شخصه” .

فمن غير الممكن أن يناقش أحدٌ حقّ حياة الفرد بكرامة، وما يستتبعها من حقوق. أمّا حقّ الموت بكرامة فقد أصبح عنوانًا كبيراً للجدل في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين.  وحتى آلان كُتب عنه الكثير، وسيكتب ويُقال ويُنظّم حوله العديد من الأبحاث والنّدوات بين مؤيّدٍ ومعارض. وسيبقى الثابت الوحيد هو الاتّفاق على حقّ الحياة بكرامة. أمّا حقّ الموت فالبعض يراه، إرادة إلهيّة كليّة لأنّ واهب الحياة لهذا الجسد بهذه الروح الخالدة، هو الأعلم متى تخرج بأمره. والبعض الآخر يعتقد أنّه يحقّ لهذا الجسد المنهك والمثقل بالأمراض المستعصية أن يستريح عبر الموت او القتل الرحيم.

أ_ ما هو القتل الرحيم؟

تعريف القتل او الموت الرحيم: إنهاء عذاب مريض إستحال شفاؤه، بواسطة أساليب طبّيّة غير مؤلمة. إنه وضع حدٍّ لحياة إنسانٍ مريض بمرض لا شفاء منه.

ب_ تاريخ القتل الرحيم

يعود تاريخ هذا المصطلح الى العصر الإغريقي حيث يُعرف بمصطلح: (Euthanasia)، وهي كلمة تتكوّن من مقطعين، Eu وتعني الرحيم أو المُيسّر، ثم Tathanos أي الموت أو القتل. بالتعبير العلميّ المعاصر، هذه الكلمة يُقصد بها تسهيل موت الشخص المريض الميؤوس من شفائه بناءً على طلب مُلحّ منه مقدّم للطّبيب المعالج. ويرى عددٌ من المهتمّين أن لليوثانيّة جذورا تاريخيّة غابرة ترجع إلى الحضارة الإغريقيّة القديمة. إذ إنّه كان من المتداول آنذاك قتل المواليد الذين يزدادون بتشوّهات خَلْقية، كما كان مسموحا مساعدةُ المرضى وذوي الجروح الخطيرة على إنهاء حياتهم.

إنّ أوّل من استعمل هذا المصطلح بشكله الحديث هو الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون في القرن السابع عشر، حين دعا إلى تشريع موتٍ سريعٍ خالٍ من الألم، حيث قال: “لايقتصر دور الطبيب على إعادة الصحّة للمريض فقط… لكن تخفيف المعاناة والآلام كذلك، وتزويده في حالة انعدام الأمل بموتٍ ناعم”.

إلا أنّه منذ تلك الحقبة، ظلّت فكرة القتل الرحيم في سبات عميق إلى حدود بدايات القرن الماضي، تحديدا سنة 1906 عندما قُدمت في الولايات المتحدة الأمريكية مُسَوّدة أول مشروع قانون للقتل الرّحيم، كانت نتيجتها آنذاك أنها قوبلت بمعارضة شديدة من الكونغرس.

وفي عام 1938، تمّ تأسيس جماعة تنادي بالحقّ في القتل الرحيم في أمريكا، للدفع نحو قانون يجيزه.

وفي عام 1937 أصبح الموت بمساعدة الطّبيب قانونيًّا في سويسرا. وفي عام 1994 وافق الناخبون في ولاية أوريجون على الموت الرّحيم. وفي عام 1977 أصبح الموت الرحيم قانونيًا في ولاية كاليفورنيا.

واتّجهت بعض الدّول مؤخّرا إلى تشريع القتل الرحيم الإيجابيّ  كهولندا في أبريل 2002. حيث صرّح وزير الصحة حينها: “يُسمح للمريض إنهاء حياته بكرامة بعد تلقّي كلّ الرّعاية الملطّفة الممكنة”. تبعَتْها بلجيكا بعدها بأشهر، ثم لوكسمبرغ سنة 2009. ويصبح الثلاثي الأوروبي رائداً في هذا المجال. وسنة 2014 أصبحت بلجيكا أوّل دولة تسمح بالقتل الرحيم المشروط بالنسبة للقصر.

وعالمياً تسمح كلٌّ من كولومبيا، وخمس ولايات أمريكية (أوريغون، كاليفورنيا _ واشنطن، مونتانا، فيرمونت)، ومؤخراً كندا بالعملية.

ج_ أنواع القتل الرحيم

عادة ما يقسم من منظور الأطباء إلى:

الإيجابي -النشط-: “فعل مباشر” من الطبيب يتسبّب في إنهاء حياة المريض – مثل الحقنة القاتلة- بمبادرة منه أو بناء على طلبٍ رسمي.

السّلبي: إيقاف العلاج الضروري لإبقاء المريض على قيد الحياة -مثل التنفس الاصطناعي- بالتالي تقصير مدة معاناته من دون استخدام أي وسيلة مباشرة لإحداث الوفاة.

من منظور المرضى:

الإرادي: عندما يطلب المريض طوعياً وضع حدٍّ لحياته لأنها أصبحت لا تطاق، أو عندما يرفض إراديًّا الإستمرار في تلقي العلاج، أو عندما يطلب علاجًا يخفّف آلامه لكنّه يسرّع وفاته.

اللاإرادي: حين يكون المريض غير قادر على إعطاء موافقته، مثل القصر ( قاصر) والأمراض العقلية أو الإصابات المفاجئة. هنا تشرّع بعض الدول الإختيار المسبق أو تلجأ لقريب من الدرجة الأولى.

الإكراهي: حين يرفض الشخص الموت لكن يتم الإصرار على قتله، وهذا النوع يعتبر جريمة طبية.

د_ ما هي الحالات التي يتم فيها “القتل الرحيم”؟

يسمح للطبيب بموجب القانون إنهاء حياة الشخص بطريقة غير مؤلمة، في حال موافقة المريض وأسرته، ويتم ذلك في الحالات التالية:

1_ الغيبوبة أي عندما يتنفس المريض تنفّسا اصطناعيّا لوجود أضرار قوية في الدماغ.

2_ الأمراض المستعصية كالسرطان إذا انتشر في الجسم كله.

3_ إلتهاب الرئة المزمن وهو الذي يمنع التنفس إلا باستخدام الأجهزة.

هـ _ ما هي أبرز حجج مؤيدي القتل الرحيم؟

حسب المؤيدين، يأتي القتل الرحيم في مصلحة المريض الذي يعاني من آلام جسديّة ونفسيّة لم يعد يطيق احتمالها. على هذا الأساس، يرى هؤلاء أن الإنسان حرّ في تقرير مصيره وله حرية التصرف بجسده أنّى يشاء. وطالما أنّ الموت قدر محتوم، فللإنسان أن يطلب موته إذا لم يعد قادرا على العيش بالشكل الذي يتمناه صحيا.

إلى جانب الشفقة التي يبديها هؤلاء تجاه المرضى لتخليصهم من معاناتهم وعذاباتهم، فإنهم يعتبرون أنّ الحياة تقاس بما يمكن أن يُسهم فيه الإنسان داخل مجتمعه، أما إذا كانت حياته تعتمد على الغير في قضاء احتياجاته، فحينذاك يصبح الإنسان مجرد كتلة لحمية، ومن ثمّ فالحياة والموت سيان، والموت في هذه الحالة أولى.

ومن جهة أخرى يرى هؤلاء أن للعامل الإقتصادي والأعباء المالية التي تتحملها الأسرة والدولة دورا مهما أيضا، إذ إن قتل المريض الميؤوس من شفائه يوفّر الكثير من التكاليف المالية الباهظة التي يمكن الإستفادة منها في مكان أكثر إنتاجية.

و_ ما هي أبرز حجج معارضي القتل الرحيم؟

تتفق الأديان السماوية على معارضتها للقتل الرحيم وتُعدّ هذا الفعل هو تعدٍ على خالق هذا الجسد والذي أعطاه الحياة عبر هذه الروح المقدسة، وبالتالي لله سبحانه أن يُقدّر متى يموت الإنسان مهما كان وضع الجسد، سواء كان في صحة وعافية جيدة، أم منهكا ومتعبا بالأمراض المستعصية، وهذا ما تم التأكيد عليه في وثيقة مشتركة تم التوقيع عليها في 28 تشرين الأول 2019 في الفاتيكان من قِبل ممثّلي الديانات الإبراهيمية الثلاث يؤكّدون فيها رفضهم الموت الرحيم ومساعدة المرضى على الانتحار، ودعمهم للعلاجات المخفّفة. وذلك انطلاقا مما جاء في كتب الأديان السماوية الثلاث:

أولا: اليهودية

تحرّم اليهودية قتل النفس، بناء على ما جاء بالمِشْنَا: المحتضِر كالحيّ في كلّ شيء . . ” حكمه أنه تحرُم إصابته ولا يُشهد عليه بالموت حتى تخرج روحه بالفعل بصورة طبيعية”

ثانيا: المسيحيّة

ترى المسيحية أن القتل/الموت الرحيم انتهاك “خطير” لشريعة الله بصفته قتلا متعمدا لشخص بشري. والأمر نفسه ينسحب على الانتحار وعلى المساعدة عليه. وتنبثق عقيدة عدم جواز الموت الرحيم هذه حسب المسيحيين على الشريعة الطبيعية وعلى “كلام الله المكتوب”. وفق المسيحية، فإن الله هو صاحب السيادة المطلقة، وإذا كان الموت الجسدي لا مناص منه، فلله وحده السلطة في كيفية موت الإنسان ووقت هذا الموت. من ثمّ، فالموت الرحيم هو محاولة من الإنسان لسلب هذه السلطة من يد الله، ولا أدلّ على ذلك من سفر الجامعة 8:8 الذي يقول: “ليس لإنسانٍ سلطان على الروح ليمسك الروح ولا سلطانٌ على يوم الموت”.

في هذا السياق، يقول القديس أوغسطينوس: “لا يحلّ أبدا أن يقتل إنسانٌ آخرَ حتى وإن أراد ذلك، حتى وإن طلب ذلك لأنه معلّق بين الحياة والموت، ويتوسّل أن يُساعَد في إعتاق نفسه المجاهدة ضد قيود الجسد ويرغب في التخلّص منها، لا يحلّ ذلك حتى وإن لم يعد المريض قادرا على العيش”

ثالثا: الإسلام

يستدلّ أغلب فقهاء الإسلام على تحريم القتل الرحيم، بقوله تعالى “وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ”. وقوله “وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا”. وقال أيضا: “وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا”.

تأسيسا على ذلك، أجمع الفقهاء أن حياة الإنسان يجب أن تُصان وأن يُحافظ فيها على بدنه الى أن تخرج روحه من جسده بمشيئة الله سبحانه. من دون أي تدخل من الإنسان نفسه بشكل مباشر أو عبر غيره.

ز _ ما هو موقف القانون اللبناني؟

لا يوجد في لبنان، حتى الآن، أيّ قانون يسمح بالموت الرحيم، وبالتالي فإنّ القيام به يُعدّ جريمةً يُعاقب عليها فاعلها وشريكه والمحرّض عليها والمتدخّل إذا توافرت شروطها القانونية. فقد اعتمد القانون اللبناني النص الفرنسي، ونصت المادة 552 من قانون العقوبات اللبناني على أنه «يعاقب بالاعتقال عشر سنوات على الأكثر من قتل إنسانًا قصدًا بعامل الإشفاق بناء على إلحاحه في الطلب».

فالقانون اللبناني جرَّم هذا النوع من القتل، وعاقب عليه، وإن لم يتمّ ذكر الموت الرحيم بالتسمية ذاتها، لكنّه أشار إليه بعبارة أخرى؛ إذ جاء نصّ المادة 552 عقوبات بعبارة عامل الإشفاق، مع شرط إضافيٍ يتمثل بإرادة المريض نفسه، حتى إلحاحه في الطلب.

عزيزي القارئ

قد تظن أن رحلتنا قد انتهت هنا، ولكن أدعوك للاستعداد لرحلة أخرى، رحلة سياحية من نوع غريب، فهي ليست للتنزه والتمتع بالثقافات والمناظر الخلابة والآثار القديمة. إنها سياحة الانتحار! نعم، لا تتفاجأ فقد تم ادخال مصطلح سياحة الانتحار الى عالم السياحة بعد ارتفاع عدد الأشخاص الذين يرغبون بإنهاء حياتهم في عيادات سويسرا حيث يسمح قانونها بذلك، وهم من خارجها، وعددهم في ازدياد مستمر، وتتصدر ألمانيا قائمة الدول في رواد سياحة الانتحار هذه.

المراجع:

1_الكتب المقدسة: القرآن_ الإنجيل _ التوراة.

2_ د. نادر عبد العزيز شافي، الموت الرحيم، العدد 314 – 315 – آب 2011، الموقع الرسمي للجيش اللبناني.

3_ وفاء روبين جابر، ما هو القتل الرحيم؟، نوفمبر ٢٠١٧.

4_ “Euthanasia”, www.britannica.com, Retrieved 23-11-2017.

5_ بوابة أخبار اليوم، «هربًا من الألم»… كل ما تريد معرفته عن «الموت الرحيم»، سبتمبر 2019.

6_ نهى حمدي، 6 معلومات عن القتل الرحيم، صدى البلد، أغسطس 2018.

7_ تعرّف على أهم المعلومات عن القتل الرحيم، يونيو 2018، موقع النجاح.

8_ بلخضر عبد الباسط، القتل الرحيم هل نعالج أم نعجّل الوفاة؟، مايو 2019، موقع المحطة.

9_ موقع الفاتيكان نيوز؛ ٢٩_ ١٠_٢٠١٩.

10_ د. سامي الإمام، القتل الرحيم في اليهودية، كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر، مايو 2016.

11_ Sputnik News, 2019

انهي معاناتي رجاء.. “القتل الرحيم” بين مؤيد ومعارض.

12_ زيار فاطمة الزهراء، القتل الرحيم بين التحريم والإباحة، جامعة عبد الحميد ابن باديس_ كلية الحقوق والعلوم السياسية؛ مستغانم _ الجزائر؛ 2014.

13_ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، موقع الأمم المتحدة.

 

الشيخ كامل العريضي مدير ثانوية الاشراق المتن

Jabal Channel

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *