الرئيسيةثقافةعطينا من علمك

الكوارث الطبيعية: عقوبة الاله أو غضب الطبيعة

الشيخ كامل العريضي  

منذ فجر التكوين، والكوارث الطبيعية مرافقة الإنسان، وبعضها مازال حاضرا في بواطن الكتب منذ آلاف السنين. حتى إنها كانت مادة دسمة في ملاحم وأساطير الأولين، مما يحكي عن دور الآلهة للانتقام من الممالك والسلاطين.

أما الكتب السماوية،  فإنها غنية بقصص الأنبياء عليهم السلام الذين أرسلهم الله سبحانه الى قومهم لهدايتهم الى عبادة الله الواحد وترك عبادة الأصنام، والتوبة من المعاصي والآثام. وبعض الأقوام استجابوا لأنبيائهم والبعض الآخر كفر بهم فحق عليهم العذاب. وكان العذاب يأتيهم بشكل مباشر كطوفان أو زلزال أو رياح عاتية أو نار محرقة … جاء في القرآن الكريم: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِين}. وجاء في الكتاب العزيز أيضا:{فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ} . وفي الكتاب المقدس:[ فَأَمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتًا وَنَارًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاء.  وَقَلَبَ تِلْكَ الْمُدُنَ، وَكُلَّ الدَّائِرَةِ، وَجَمِيعَ سُكَّانِ الْمُدُنِ، وَنَبَاتِ الأَرْضِ] .

أما في زمننا هذا، حيث لا أنبياء كلفهم الله هداية الناس بشكل مباشر، أو بمعاقبتهم بأمر منه سبحانه. وفي ظل استمرار الكوارث الطبيعية على الكرة الأرضية، فيُطرح سؤالٌ: هل هي استمرار للعقوبات التي كانت تحصل والمذكورة في الكتب السماوية؟ وبالتالي يمكن إسقاط مسببات العقاب المذكورة على واقعنا الحالي، فإذا توافقت تكون عقوبة الهية. وإذا لم تتوافر المسببات والأدلة، لا يمكن اعتبارها عقوبة بل كارثة طبيعية؟

إن الإجابة عن تلك التساؤلات التي حيرت الناس ليس بالأمر السهل، ولا أحد منا يملك الحقيقة المطلقة، بل كلّ ما قيل ويقال يبقى مجرد محاولات لفهم الحقيقة الكلية.

من خلال المتابعة والقراءة لعدد من الآراء والمقالات حول الموضوع تبيّن لنا عدة أوجه أساسية وهي:

الوجه الأول: يرى ان كل الكوارث والغضب الحاصل من الطبيعة هو قصاص من الله سبحانه لمن حل بهم هذا الغضب، وذلك بسبب المعاصي والذنوب التي ارتكبها اهل تلك المنطقة وعدم اكتراثهم لأوامر الله بالطاعة وعمل الخير.

الوجه الثاني: يقول: إن كل ما يحصل هو بفعل الطبيعة وليس له علاقة بالماورائيات الدينية وان أسبابه جغرافية أو مناخية فقط.

اما سبب كتابة هذا المقال، فهو التطرق قليلا إلى الوجه الأول، انطلاقا من وجهة نظري التي قد تكون متناغمة مع الحقيقة أو بعيدة عنها.

لا يخفى على أحد الكمية الهائلة، من المقالات والمقابلات والتحليلات الدينية والسياسية والإقتصادية، بعد كل كارثة طبيعية أو وباء. ولعل ما يحدث اليوم من تفاعل العالم مع وباء الكورونا أوضح برهان. وعند الكلام عن السبب الماورائي له والقصاص الإلهي ينقسم الناس بحسب عقائدهم الدينية أو خلافاتهم السياسية في رؤيتهم للموضوع،  لاسيما عندما تمتزج السياسة مع الدين، ولن ندخل في نقاش عقيم وغير مجدٍ عن توافر الأدلة والأسباب. بل سوف نطرح سؤالًا على من يؤمن بهذا البعد:  هل إذا حصل أي وباء مشابه أو كارثة طبيعية على أهلك وقومك تعتبره قصاصا الهيا أم ابتلاء؟ وهناك كلام مشهور على وسائل التواصل يقول: حين يمرض من نحب نقول ابتلاء وإذا مرض من نكره نقول عقوبة …حين يصاب من نحب بمصيية نقول لأنه طيب، واذا أصيب من نكره نقول لأنه ظلم الناس، فأسأل نفسي وأسألك أخي الكريم: من نحن لنوزّع اقدار الله على هوانا… ؟ كلنا حاملون للعيوب ولولا غطاء من الله إسمه الستر، لانحنت أعناقنا من شدة الخجل…

وهناك من يؤمن  بأنها عقوبة سواء حصلت عند الآخر أو مع بني قومه، فهذا الشخص متصالح مع ذاته ونهجه ولا يمكننا إلا احترام رأيه وموضوعية فكره ونهجه. سواء اختلفنا  أو اتفقنا معه في الرأي.

أما الطامة الكبرى فمن يقوم بذكر تلك المصائب التي تحدث من باب الشماتة لا سمح الله والكره والحقد انطلاقا من سبب سياسي او ثقافي او  عرقي … فهو بكل تأكيد لم يرتق الى درجة الإنسانية مهما كانت الدوافع.

ومن يقم بتحليل تلك الكواثر بهدف تثبيت إيمان المؤمنين، وذكر عظمة الله وبالغ قدرته، وعظمته، فلا نجد بأسا في ذلك، شرط ألا نسيء للاخر أو نحتقره، لأن المؤمن ( بأي دين او فكر)، هدفه الوصول الى الحقيقة التي يعتنقها وإلى صفاء روحه وارتفاعها عن الأرضيات الفانية. لا سب الآخر وإهانته عملا بالآية الكريمة: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. وهل أصدق وأعدل منه تعالى حيث هو المحاسب والمرجع وإليه المصير وهو الذي يجازي الناس كلّ الناس على مقدار عملهم؟

كم هو جميل ان يضع كل إنسان منا نفسه في مقام العبودية، ونلتزم بما أمرنا الله به من الأفعال الصالحات والابتعاد عن الأعمال المذمومات ونترك أمور الغيبيات وكل ما ليس مطلوبا منا لله تعالى! كما جاء في الحديث الشريف: الأمور ثلاثة أمر تبين لك رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غيه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فردّه إلى الله عز وجل.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعاملنا وإياكم بلطفه وعطفه ويشملنا برحمته ورضوانه.

الكوارث الطبيعية: عقوبة إلاله أو غضب الطبيعة

الشيخ كامل العريضي مدير ثانوية الاشراق المتن

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الكثير من الكوارث قد تحدث على الأرض لظروف بيئية ومناخية متنوعة، ربما للإنسان بعض الدور في حدوثها عبر مخالفة قوانين وسنن تخالف سير الحياة بآلية معينة، ولكن هذا لا يبرّر الشماتة… فالبعض يرى أنها غضب من الله ينزله على أميركا(مثلا) جراء أفعالها في مواقع ومناطق حول العالم، وأن هذه الكوارث جزء من العقاب الإلهي لها… هذا كلام غير دقيق، إن جئنا نقارنها بما وقع للأولين من أقوام مرت في الكون وذكرتها كل الأديان..
    فالأعاصير والزلازل والفيضانات وغيرها من الكوارث، هي تغييرات طبيعية تتأثر بالمناخ وظروف طبيعية وجغرافية متعددة، وهي ربما تكون فعلاً رسائل إلهية للبشر لأجل زيادة الحرص والانتباه على حفظ نعمة الحياة على الأرض.
    والموت هو امر طبيعي لكن لم يكن لتتسع فظاعة اخباره لولا وسائل تواصل سريعة النشر… وفُسّر لنا ذلك بان الروح من امر ربي وما اوتينا من العلم الا قليلا!.. فنرضى بأمره
    وما من شك ان نوايانا مداد قدَرنا… وبقدر ما نحسنها للاخرين نلقى خيراً.
    الأهم باعتقادي ألا تكون نظرتنا الى الأحداث والوقائع ضيقة محدودة، بل يجب ان تكون واعية وشاملة، نفسّرها بشكل منطقي ومقبول، لا بحسب أمزجة وأهواء بشرية، تقوم في سبيل ذلك بلوي أعناق الآيات اوالأحاديث قسراً لتتوافق مع ما تريده!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *